الصفحة الرئيسية أضفنا إلى المفضلة اقرأ أهداف عيالنا كيف أشترك في المجلة
 لم يتم تسجيل الدخول بعد
مواضيع المجلة
تربوي ترفيه ديني صحة عام علمي مجتمعي مهرجانات

فضائل الأمهات تسري في أرواح أولادهن

كتبه  خالد الحليبيخالد الحليبي

نشر في  01 سبتمبر, 2017
سجل التاريخ أسماء كالشموس للكون، بل هم ـ والله ـ الذين صنعوا التاريخ، ولو سألت من صنعهم على عين الله؛ لوجدت كفين مغضنتين، مرة تدعوان، ومرة تربتان، ومرة تطبخان، ومرة تعلمان.. (الأم) تلك الأيقونة السحرية، التي تلمسها فتنسكب بكل ما تحتاجه النفوس لبلوغ أهدافها بإذن الله تعالى.

هذا أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الذي تناول جسده الطاهر وروحه النقية أُمَّان مُلِئتا إيمانا وحكمة وأناة وحلما وصبرا، وعرفتا بأكرم السمات وأجمل الخصال. فقد ولد من أمه فاطمة بنت أسد؛ التي أسلمت بعد عشرة من المسلمين وكانت الحادية عشرة منهم، والثانية من النساء، وأمه الأخرى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - التي عاش في بيتها، وتغذى من خصالها، وتربى على يد حبيبها صلى الله عليه وسلم.

وفي المدينة في عهد بني أمية، نستشرف شخصية عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، الذي أعاد للخلافة وجهها الراشدي، وتذكرنا نشأته في المدينة حيث شبّ الفتى النابهُ بين أخواله من أبناء وأحفاد الفاروق "عمر"، واختلف إلى حلقات علماء المدينة، ونهل من علمهم، وتأدّب بأدبهم، وكانت المدينة حاضرة العلم ومأوى أئمته من التابعين، ومَن طال عمره من الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ؛ فمن كانت أمه؟

أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الفقيه، الشريف، الذي ولد في أيام النبوة. وأما جدته لأمه فقد كان لها موقف مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعن أسلم قال: بينما أنا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يَعُسُّ بالمدينة، إذ أعيا، فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه! قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فقالت لها: يا أمتاه! أوَما علمت ما كان من أمير المؤمنين اليوم؟ قال: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: إنه أمر منادياً، فنادى ألا يشاب اللبن بالماء، فقالت: لها يا بنتاه! قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: يا أمتاه! والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. 

وعمر يسمع كل ذلك، فقال: يا أسلم عَلِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسه، فلما أصبحا قال: يا أسلم! امضِ إلى الموضع فانظر من القائلة؟ ومن المقول لها؟ وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع، فنظرت، فإذا الجارية أيِّم لا بعل لها، وإذا تيك أمها، وإذا ليس بها رجل. فأتيت عمر أخبرته، فدعا عمر ولده، فجمعهم، فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه؟ فقال عاصم: يا أبتاه! لا زوجة لي فزوجني. فبعث إلى الجارية، فزوجها من عاصم، فولدت لعاصم بنتاً، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ.

ويذكر أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رأى ذات ليلة رؤيا، ويقول: "ليت شعري من ذو الشَّيْن من ولدي الذي يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً"، وكان عبدالله بن عمر يقول: إن آل الخطاب يرون أن بلال بن عبدالله بوجهه شامة، فحسبوه المبشر الموعود، حتى جاء الله بعمر بن عبدالعزيز( ).

"وهذا عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز، ذلك الفتى الذي كَمُلَت مروءته، وتناهى سؤدده، فكان مضرب المثل في العلم والشجاعة والزهد والعبادة، بالرغم من أنه توفي وهو في التاسعة عشرة من عمره! فمن كان وراءه؟ لقد كان وراءه والده الزاهد عمر بن عبدالعزيز، وأمه فاطمة بنت عبدالملك بن مروان"( ).

فليس من المبالغ فيه ما قاله (سيمور): "إن تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عاماً، وذلك بتربية أمه"، ما دام أن لها كل هذا التأثير العظيم، الذي عبّر عنه أجمل تعبير الكاتب القدير (محمد كرد علي) حين قال: "فضائل الأمهات تسري في أرواح أولادهن سريان الرائحة الطيبة في الثوب النظيف".

ولذلك تستحق الأم أن تكون الكلمة الأولى التي يزمُّ الطفل فيها شفتيه؛ لينطقها، بل ليرسل إليها قبلة كلما أراد أن يناديها؛ فهو لا يمكن أن يتلفظ بها دون أن يضم لها مراشفه.

أيتها الأمهات الفاضلات.. وقد يسخر الله للطفل أماً ليست أمه، فقد يكون في حضنك يتيم، أو قريب أهمل من قبل أهله، فقومي بدورك معه كأنك أمه، فرب ولد لك لم يخلق في رحمك، وربما كان لك أقرب مودة وبرا، وذخرا في الدنيا والآخرة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "مات أبي وأنا في الثانية من عمري، وكانت خالاتي يحببنني حبا جما، كأني ابن لكل واحدة منهن، وزاد ذلك الحب بعد موت أمي وأنا في الخامسة عشر من عمري، فأصبحن جميعا أمهات لي بعد أمي، وازدادت عناية جدتي بي"( ). 

وهو ما حدث من قبل للإمام الحافظ المحدث ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ فقد ربّته أخته سِتّ الرَّكب بنت علي بن محمد بن محمد بن حجر، قال ابن حجر: "وكانت قارئة كاتبة أعجوبة في الذكاء، وهي أمي بعد أمي".

وهذا العالم الأحسائي الكبير أحمد بن سعد المهيني، كان كفيفا رآه العالم الشيخ عبدالله بن أحمد بن عبدالرحمن آل الشيخ مبارك، يلعب في الشارع، وكان الطفل العبقري بذكائه يحمي نفسه من الأطفال، تقدم الشيخ فأبعد عنه الأطفال، ثم طلب منه أن يذهب به إلى بيت والده، فإذا به يدلّه بكل دقة من خلال المنعطفات؛ فعرف أنه أمام مشروع عالم يحتاج إلى بيئة علمية تحوطه برعايتها.. دق الباب ففتحه أبوه، وقال له: هل تسمحون بأن تعطونا هذا الطفل كي نقوم بتوجيهه؟ فأخذه الشيخ المباركي إلى جدته (مريم بنت عبدالعزيز العلجي)، وهي من بيت علم وفضل، فاعتنت به عناية فائقة، وكأنه ولد من أولادها، ووجهته إلى علماء المبارك في حلق العلم ومدارسه؛ التي كانت منتشرة في الأحساء، حتى تضلع في العلوم الشرعية واللغوية، 

لا يوجد أي تعليق حتى الآن

أضف تعليقك من هنا