الصفحة الرئيسية أضفنا إلى المفضلة اقرأ أهداف عيالنا كيف أشترك في المجلة
 لم يتم تسجيل الدخول بعد
مواضيع المجلة
تربوي ترفيه ديني صحة عام علمي مجتمعي مهرجانات

أبنائي لا يكترثون لأوامري

كتبه  عبدالرحمن الحرميعبدالرحمن الحرمي

نشر في  21 ديسمبر, 2017

أبنائي لا يكترثون لأوامري

أجاب عليها: د. عبدالرحمن الحرمي


الاستشارة:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لدي استشارة تربوية لأبنائي، وللأمانة أؤكد أنني لم أرسل هذه الاستشارة إلا بعد أن استخدمت كل الوسائل الممكنة لتغيير أبنائي ولم أجد أي تغيير ملحوظ.. استخدمت معهم النصيحة، والكلمة الطيبة، والتعنيف، حتى الضرب اضطررت إليه، ومع ذلك أعلن الآن عجزي عن التواصل الجيد مع أبنائي، مع أنني لم أطلب منهم المستحيل، كل ما أريده منهم أن يتفوقوا في دراستهم، وأن يؤدوا الصلاة في وقتها.. باختصار؛ أن يكونوا أبناء صالحين.

أبنائي في أعمار مختلفة، فيهم المراهق ابن الثامنة عشر، وفيهم ابن الخامسة عشر، وبنتي في التاسعة، والبقية أطفال صغار.. كل واحد من هؤلاء عالم مليء بالتعقيد، حتى كدت أن أفقد عقلي.

إنني أقارن احترامي لوالدي باحترامهم لي؛ فأجد أنهم عاقون لي ولوالدهم، حيث لا يكترثون لأوامرنا، وأشعر أحياناً أنهم يستمتعون في البيت عند غيبانا أكثر من ساعات تواجدنا معهم، وأشعر أننا أصبحنا ثقيلين عليهم، مع العلم أننا لم نقصر معهم في المصروف أو الترفيه أو السفرات في العطل والإجازات.. فلماذا أبنائي هكذا؟!

 

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أختي الفاضلة، سأقوم بداية بتحليل الاستشارة، لعلنا نضع أيدينا على مكان الداء، ثم بعد ذلك نصف الدواء، والله نسأل أن يكتب الشفاء.

بداية أختي الفاضلة؛ أرجو أن نتوقف عن اتهام الأبناء، لأنهم آخر المتهمين.

والأمر الآخر؛ لا أدري لماذا توقعتِ الاستجابة الفورية من الأبناء لما تطلبينه منهم، مع العلم أن ما تطلبينه ليس بالأمر السهل إطلاقاً، فمسألة الصلاة يقول الله عز وجل فيها: "وأمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها".. انظري وتأملي في الخطاب.. هو إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو يأمر أهله بالصلاة أن يصطبر، وليس أن يصبر فقط، والعرب تقول "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى"، فلطالما صبر عليهم صلى الله عليه وسلم، وذكّرهم، وأمر باستيقاظهم مرات ومرات، ولعل الحديث المشهور بينه صلى الله عليه وسلم وبين علي بن ابي طالب حين أيقظه لصلاة الفجر، حيث طرق الباب علي وفاطمة رضي الله عنهما وهما نائمان، فقال: ألا تصليان؟ فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يمسكها، وإن شاء أن يرسلها. فولّى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب بيده على فخذه ويعيد القول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً".

فمسألة الصلاة ليست من الأمور السهلة التي يقوم بها الأبناء بمجرد تلقي الأوامر، بل يحتاجون إلى التذكير والترغيب والمتابعة والمدح والثناء، والتذكير بأجر الصلاة، وخاصة الصلاة في جماعة، وإذا استجاب مرة فلا يعني أنه لن يغفل عن الصلاة في المرات القادمة.

والنقطة المهمة هنا والخطيرة، وأرجو التركيز عليها؛ هي وجوب الحذر من أن تكوني سببا في أن يكره أبناؤك الصلاة؛ من خلال الأوامر المباشرة والحادة، أو الكلام عليهم بما لا يليق أمام أقرانهم، فقد يكرهون الصلاة لأجل ذلك، وقد يصلونها من غير وضوء، وهذا الأمر كثيرا ما يحدث لمثل هذا النوع من التربية.

واعلمي يقينا بأن الشدة الزائدة أضرارها كثيرة جدا، ونفعها لا يكاد يُذكر، والعكس من ذلك تماما هو الصواب، ألا وهو التربية بالحب، أي أن أسعى جاهداً لكسب أبنائي؛ أكسب عقولهم وقلوبهم، عندها سيتلقون الأوامر بالحب لا بالإكراه، هناك سيكون التطبيق الحقيقي للأوامر. 

النقطة الأخرى؛ هي كما تفضلتِ بأنك استخدمتِ كل الوسائل لإصلاحهم ولكن دون جدوى.

أختي الفاضلة؛ لا تستعجلي في إطلاق هذه الكلمة، واعلمي يقينا أن ما لم نستخدمه من أساليب ومهارات أضعاف أضعاف ما استخدمناه في التعامل مع أبنائنا. والإشكالية الأخرى أننا نستعجل في مسألة العلاج، ونريد حلولا سريعة ومستوردة، ونغفل عن أن علاج السلوك يحتاج بطبيعته إلى وقت طويل ونوعي، وأن تكون الحلول أيضاً من داخل الأسرة، ومن داخل الفرد نفسه، بحيث يكون مقتنعاً بما يفعل، لا مُكرَهاً عليه، لأنه لا مقارنة بين خمسين شخصا يستجيبون للأوامر بالإكراه، وبين شخص واحد يستجيب من خلال الإقناع، فالمكره يعود إلى قناعاته السابقة الحقيقية متى ما زال الضاغط والمُكرِه.

لذلك؛ لا بد من التنوع والتجديد في الأسلوب، واعطاء فرصة للبدء من جديد، وتوقع الخطأ، وتوقع تكراره كذلك، فإن امتلاكنا للقيم وفهمنا لها؛ لا يعني الالتزام في السلوك، فالسلوك يحتاج إلى هذه القناعات بداية، ولكنه يحتاج أيضا إلى قدوة وتدريب حتى تتم ترجمة القيم والمبادئ إلى سلوكيات. وأرجو أن لا نقارن بين زماننا وزمانهم، فإننا غالبا ما نظلمهم في هذه المعادلة، لأنهم - باختصار - نتاجنا نحن، ونحن نتاج الآباء، فمعنى ذلك أن آباءنا نجحوا في إخراج جيل يعي واجباته، ويتحمل مسؤولياته، بينما نحن الآباء والأمهات؛ لم نستطع أن نخرج مثل هذا الجيل، ومعنى ذلك أن المتهم الأول هو نحن وليسوا هم!

ذكرتِ هذ العبارة في الاستشارة (كل واحد من هؤلاء عالم مليء بالتعقيد).. هذه العبارة صحيحة، ولكن احذفي آخر كلمة، واجعلي مكانها (بالفرص) لتكون القراءة الصحيحة (كل واحد من هؤلاء عالم مليء بالفرص).. نعم؛ هذه هي الحقيقة، ففي كل يوم تولد مشاريع كبيرة جداً في مستشفيات الولادة، ونحن بدورنا إما أن نحولها إلى مشاريع عملاقة، وإما أن نساهم في قتلها معنوياً، بحيث نحولها إلى ضيف في هذه الحياة؛ لا أثر، ولا قيمة، ولا هَمّ.

أما المسألة الخطيرة التي ذكرتِها، وهي مسألة الضرب؛ فأرجو الانتباه إلى هذه الوسيلة، لأنها مدمرة للعلاقة بينكم، والسبب واضح، وهو أن الخلاصة من المهارات التربوية هي بناء علاقة إيجابية بين المربي والمتربي، بينما الضرب يقطع هذه العلاقة، وبالتالي ستكون هناك مسافة بيننا وبينهم، بل جدار صلب نحن أقمناه بيننا وبينهم، وبالتالي لن نستطيع أن نصل إليهم بعد ذلك حتى نوصل إليهم ما نريد.

نحن في حاجة ماسة إلى الجلوس مع أبنائنا، والاستماع إليهم، والإنصات إلى ما بداخلهم، وهنا مصدر التعلم، وهو الإنصات الذي غالبا ما لا نعطيه حقه، ونظن دائما أننا على حق كامل، وأنهم على خطأ كامل، وهذا الاعتقاد غير صحيح، فالأم التي تطلب من ابنها أمراً ولا يستجيب؛ قد تجده هو أيضا يطلب منها أشياء وهي لا تستجيب، فبدأ يتعامل معها بالمثل دون أن تعلم هي بهذا العالم الداخلي لهذا الطفل، لكننا عندما ننصت إليهم؛ سنسمع من تلك الشخصية الصوت الذي غالبا لا يُسمع، عندها نستطيع أن نضع أيدينا على مكمن الألم.

 


لا يوجد أي تعليق حتى الآن

أضف تعليقك من هنا