الصفحة الرئيسية أضفنا إلى المفضلة اقرأ أهداف عيالنا كيف أشترك في المجلة
 لم يتم تسجيل الدخول بعد
مواضيع المجلة
تربوي ترفيه ديني صحة عام علمي مجتمعي مهرجانات

توريث الالتزام.. آباء تهوى وأبناء تأبى

كتبه  "عيالنا"

نشر في  10 يناير, 2018

توريث الالتزام.. آباء تهوى وأبناء تأبى

عناوين جانبية:

- من أسباب انحراف أبناء الملتزمين وجود الاختلال الأسري وغياب الحوار

- التربية النفسية من أهم وسائل العلاج التي يفتقدها الأبوان في التأثير على أبنائهما

- كيف سيكون الابن صادقا وهو يستمع إلى والده وهو يكذب أمامه؟

 

بسام ناصر

بجرأة بالغة يتصدى الكاتب المصري عبد الرحمن ضاحي في كتابه "أبناء الملتزمين.. توريث الالتزام آباء تهوى وأبناء تأبى"، لمعالجة قضية تمس بيوت المتدينين (الملتزمين)، وتلامس دواخل حياتهم، والتي غالبا ما يتحاشون طرحها على موائد النقاش العلني، لأنها تكشف عن مكامن الخلل والضعف في طبيعة تدينهم ونتاجه.

وبحسب تقدير المؤلف لتلك الحالات في أوساط المتدينين، والتي أسماها بـ"انحراف أبناء الملتزمين"، وبناء على رصده (الانطباعي) فقد تكاثرت تلك الحالات حتى باتت ظاهرة ملحوظة، مشيرا إلى أنه لا يكاد يقابل "أحدا من داخل الوسط  أو خارجه إلا ويجزم بانتشارها، وهي ظاهرة تثير الدهشة والقلق من تكرار حدوثها".

وفرارا من الوقوع في آفة التعميم، وهو ما يحتمله إطلاق المؤلف للفظ العموم في توصيفه للحالة "انحراف أبناء الملتزمين"، فإن من الضروري تقييد ذلك التوصيف بغلبة انتشار تلك الحالات وظهورها في أبناء الملتزمين، وإلا فثمة حالات مشاهدة لأبناء الملتزمين الذين استقاموا على طريق التدين، والتحقوا بدور تحفيظ القرآن الكريم، وحفظوا القرآن كاملا، أو كثيرا من أجزائه، ومن رواد المساجد المحافظين على الصلوات الخمس فيها، ولا يعرف عنهم إلا السلوك الحسن، والخلق القويم.

ومن الملاحظ أنه حينما تثار هذه القضية (كحالات ووقائع) فإن منطق التبرير الحاضر دائما يقوم على الفور باستدعاء حالة ابن نبي الله نوح عليه السلام، ليبرر وقوع تلك الحالات، فما دام أن ابن رسول من أولي العزم، كان كافرا ولم يستجب لدعوة أبيه، ولم يدخل في دينه، فما المستهجن في أن يكون من أبناء الملتزمين المنحرف والضال والتارك لدينه؟

ولو كان حال الآباء الملتزمين كحال رسول الله نوح عليه السلام، في قيامه بما أمره الله به من دعوة ابنه مرارا وتكرارا، والإلحاح عليه في قبول الدين الجديد، أمام إصرار ابنه على اختيار الكفر؛ فإنهم يكونون بذلك قد أدوا ما أمرهم الله به، ولا تثريب عليهم، ويصح حينها القياس والاستدلال، أما إن وقع التقصير من الآباء الملتزمين في إرشاد أبنائهم وتعليمهم واختيار أحسن الأساليب لترغيبهم وجذبهم للاستقامة والتدين، فإن انحراف الأبناء حينذاك يكون نتاجا طبيعيا متوقعا، ولا وجه لاستدعاء حالة ابن نوح عليه السلام لتبرير التقصير وتسويغه.  

 

ما هي أسباب (الظاهرة)؟

لفت المؤلف إلى أن جيل الصحوة الإسلامية مع بدايتها الأولى في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ومع انتشار الوعي الديني في الأرجاء، "وحين عزم هذا الجيل على الزواج؛ ظننّا - بل تيقنا - أنهم سيُخرجون للأمة الإسلامية جيل النصر والتمكين الذي على يده سيكون النصر للإسلام، واستعادة أمجاده، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وجدنا أنهم أخرجوا جيلا غير المتوقع ـ إلا من رحم الله ـ جيلا سلك سبيلا أخرى غير الالتزام بالشرع...".

فما هي أسباب تلك الحالات (الظاهرة)؟ وإلى ماذا أرجعها المؤلف في سياق دراسته لجذورها، وبحثه في خلفياتها وبواعثها؟

سرد المؤلف 10 أسباب لتلك الظاهرة، جاءت كالتالي: الاختلال الأسري، واختلال النية، وعدم الالتزام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، والأمية التربوية، وإهمال التربية الإيمانية المبكرة، وإهمال التربية النفسية، وغياب الحوار، والقسوة، والقدوة، والبيئة المحيطة.. وفصّل في تحليله لتلك الأسباب وكيفية تأثيرها في إنتاج ظاهرة "انحراف أبناء الملتزمين".

 

العلاج والحلول

حرص المؤلف على تفصيل القول في العلاج والحلول بعد ذكره للأسباب المنتجة للظاهرة، مشيرا إلى أن من الملتزمين من يشغل نفسه في برامج تربوية مكثفة خارج بيته، في المساجد ودور القرآن الكريم، والمنتديات ومختلف المناشط التربوية، لكنه يبخل على أهل بيته وأولاده بأي جهد يُذكر في تعليمهم وتربيتهم وتعاهدهم ومتابعتهم، فلماذا يحرم الملتزمون أهل بيوتهم من ذلك الفضل العظيم؟ ولماذا لا يحرصون على العطاء الدعوي والتربوي كما يحرصون عليه خارج بيوتهم؟

يركز الكتاب كثيرا على أساليب تربية الأبناء، وكيفية تنشئتهم منذ الصغر على الالتزام الديني، آخذا بالاعتبار أهمية التربية النفسية، والتي تعد من أهم الأسلحة التي يفتقدها الأبوان في التأثير على أبنائهما بالرغم من سهولة استخدامه وفعالية نتائجه، ويرى المؤلف أن "كثيرين من الملتزمين مهملون لهذا الجانب بشدة، ما ينفر الأولاد من الالتزام بالشرع التي هي في ذهنه (أوامر والده) ليس إلا".

ويحث المؤلف الآباء على ضرورة استخدام أسلوب "التشجيع"، لأن انعدامه خطأ جسيم في تربية الأبناء، فالتشجيع مثله كمثل الوقود للسيارة، لا تسير إلا به، كذلك التشجيع بالنسبة للأبناء، فهو يعطيهم حافزا على إخراج أفضل ما عندهم من طاقات، ويعطيها استمرارية.

واهتم المؤلف في معرض ذكره للحلول والعلاج، بإبراز نجاعة التربية بالإقناع، بعيدا عن كل ممارسات الإكراه والإجبار، وهو السلوك السائد في غالب أوساط الملتزمين، فلا يعرفون سبيلا لتربية أبنائهم إلا عن طريق الأوامر، المشفوعة بالإكراه والإجبار، من غير أن يبذلوا جهدا في إقناعهم بما يريدونه منهم، وسلوك أساليب الترغيب والتشجيع والتحفيز، ما ينتج حالات مشوهة من تدين الأبناء، يغلب عليها التصنع وربما إظهار ما يحبه الأب ويرغب فيه، من غير قناعة ذاتية داخلية، وهو ما يسبب ردة فعل عكسية في غالب الأحيان.

ومما اعتنى به الكتاب؛ تأثير التربية بالقدوة على الأبناء، فسلوكيات الأب وممارساته مكشوفة أمام الأبناء تماما، فما يقولوه الوالدان ويفعلانه ينطبع في أذهان الأبناء، أكثر مما يقال لهما، ومما يؤثر سلبا في حياة الأبناء، وجود بعض مظاهر الانفصام في حياة الوالدين، بين التوجيه النظري، والممارسة العملية، فكيف سيكون الابن صادقا، وهو يستمع إلى والده يكذب أمامه، وكذلك حال الأم وهو تنصح أبناءها بالبعد عن الغيبة والنميمة، ثم يستمعون إليها وهي غارقة في تلك القصص والحكايات.

وأكد مؤلف الكتاب أن أبناء الملتزمين دينيا كغيرهم من أبناء الآخرين، يصلحهم ما يصلح غيرهم، ويفسدهم ما يفسد غيرهم، بيد أن الأمر الطبيعي المتوقع ظهور التزام الآباء في تربية الأبناء، فإذا أحسن الإنسان الملتزم ابتداء اختيار شريكة حياته، المشاركة له في رسالة بناء الأسرة المسلمة، بتنشئة أبنائهم نشأة إيمانية مبكرة، وقدموا لهم القدوة الحسنة، وترفقوا في تعليمهم وإرشادهم وتوجيههم، فإن نتاج ذلك سيكون طيبا مباركا في غالب الأحيان، مع احتمالية انحراف بعض أبناء الملتزمين وشرودهم عن طريق التدين والالتزام.


لا يوجد أي تعليق حتى الآن

أضف تعليقك من هنا